الذهبي
790
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
وَكَانَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ وَلَدٌ ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَسَعَى هُوَ وَوَزِيرُ أَبِيهِ بِابْنِهِ إلى الرشيد ، قالا : إِنَّهُ عَامِلٌ عَلَى الْخِلافَةِ ، فَاعْتَقَلَهُ الرَّشِيدُ فِي مكان مليح وفي إكرام ، فَمَا زَالَ مَحْبُوسًا حَتَّى تُوُفِّيَ الرَّشِيدُ فَأَطْلَقَهُ الأَمِينُ وَوَلاهُ الشَّامَ ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الأَمِينِ ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَيْتِهِ وَفُصَحَائِهِمْ وَنُبَلائِهِمْ ، مَرَّ الرَّشِيدُ بِمَنْبِجٍ فَقَالَ لَهُ ، وَبِهَا إِذْ ذَاكَ مَقَرُّ عَبْدِ الْمَلِكِ : هَذَا مَنْزِلُكَ ؟ قَالَ : هُوَ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وُلِّيَ بِكَ ، قَالَ : كَيْفَ هُوَ ؟ قَالَ : دُونَ بِنَاءِ أَهْلِي ، وَفَوْقَ مَنَازِلِ مَنْبِجٍ ، قَالَ : كَيْفَ لَيْلُهَا ؟ قَالَ : سَحَرٌ كُلُّهُ . وَفِيهَا انْتَقَضَ الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الرُّومِ ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ نِقْفُورَ ، وَالرُّومُ تَذْكُرُ أَنَّ نِقْفُورَ هَذَا مِنْ وَلَدِ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيِّ ، وَأَنَّهُ قَبْلَ الْمُلْكِ كَانَ يَلِي دِيوَانَ خَرَاجِهِمْ ، وَكَانَ عَقَدَ الهدنة مع الملكة زبني ، فخلعتها الروم وسلطنوا نقفور . ثم ماتت زبني بَعْدَ أَشْهُرٍ ، فَكَتَبَ : مِنْ نِقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ ، إِلَى هَارُونَ مَلِكِ الْعَرَبِ ، أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الْمَلِكَةَ الَّتِي قَبْلِي كَانَتْ أَقَامَتْكَ مَقَامَ الرُّخِ ، وَأَقَامَتْ نَفْسَهَا مَقَامَ الْبَيْدَقِ ، فَحَمَلَتْ إِلَيْكَ مِنْ أَمْوَالِهَا أَحْمَالا ، وَذَلِكَ لِضَعْفِ النِّسَاءِ وَحُمْقِهِنَّ ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَارْدُدْ مَا حَصَلَ قِبَلَكَ مِنْ أَمْوَالِهَا ، وَافْتَدِ نَفْسَكَ ، وَإِلا فَالسَّيْفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ . قَالَ : فَلَمَّا قَرَأَ الرَّشِيدُ الْكِتَابَ اسْتَشَاطَ غَضَبًا حتى لم يمكن أحد أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهِ دُونَ أَنْ يُخَاطِبَهُ ، وَتَفَرَّقَ جُلَسَاؤُهُ مِنَ الْخَوْفِ ، وَاسْتَعْجَمَ الرَّأْيُ عَلَى الْوَزِيرِ ، فَدَعَا الرَّشِيدُ بِدَوَاةٍ وَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ كِتَابِهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنْ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِقْفُورَ كَلْبِ الرُّومِ ، قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ يَا ابْنَ الْكَافِرَةِ ، وَالْجَوَابُ مَا تَرَاهُ لا مَا تَسْمَعُهُ . ثُمَّ سَارَ لِيَوْمِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى نَازَلَ مَدِينَةَ هِرَقْلَةَ ، وَكَانَتْ غزوة مشهودة ، وَفَتْحًا مُبِينًا ، فَطَلَبَ النِّقْفُورُ الْمُوَادَعَةَ ، وَالْتَزَمَ بِخَرَاجٍ يَحْمِلُهُ كُلَّ سَنَةٍ ، فَأُجِيبَ ، فَلَمَّا رَجَعَ الرَّشِيدُ إِلَى الرَّقَّةِ نَقَضَ الْكَلْبُ الْعَهْدَ لِإِيَاسِهِ مِنْ كرة الرَّشِيدِ فِي الْبَرْدِ ، فَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يبلغ الرشيد نقضه ، بل قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التَّيْمِيُّ :